وهبة الزحيلي
285
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّي قال : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى ، فقال اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن على دين إبراهيم ، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا . وقالت النصارى مثل ذلك ، فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ، ونبينا بعد نبيكم ، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم ، فنحن خير منكم ، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا ، فأنزل اللّه : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ الآية فأفلج اللّه حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان الأخرى . وذكر مثله عن قتادة . التفسير والبيان : ليس الأمر منوطا بالأماني منكم أيها المسلمون ، ولا أنتم أهل الكتاب ، ولكن الجزاء منوط بالعمل ، فليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني ، بل العبرة بطاعة اللّه عز وجل واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام ، أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن موقوفا : « ليس الإيمان التمني ، لكن ما وقر في القلب ، وصدّقه العمل » وقال الحسن : « إن قوما غرّتهم المغفرة ، فخرجوا من الدنيا وهم مملوؤون بالذنوب ، ولو صدقوا لأحسنوا العمل » . فمن يعمل سوءا يلق جزاءه ؛ لأن الجزاء أثر للعمل ، مثل قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة 99 / 8 ] ، روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن زهير قال : أخبرت أن أبا بكر رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه ، كيف الفلاح بعد هذه الآية : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فكل سوء عملنا جزينا به ؛ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « غفر اللّه لك يا أبا بكر ، ألست تمرض ، ألست تنصب - تتعب ، ألست تحزن ، ألست تصيبك اللأواء - الشدة ؟ » قال : بلى ، قال : « فهو مما تجزون به » .